Posted by: benumar | 29 يونيو 2009

غرفة 421

غرفة 421

لا أدري ما الذي جعله يخطر على بالي، فجأة بدون مقدمات، رغم أن آخر عهدي به كان قبل خمسة عشر شهرا..حين زرته برفقة ابنه كان رقم الغرفة “421” ، لن أنسى ما حييت تلك الغرفة، ولا ما كان ينطلق فيها من آهات ساخنة، وزفرات حامضة، وصرخات منبعثة من أجساد ستغادر الدنيا بعد قليل، وترحل إلى حيث الله الذي ترتاح عنده مما تعانيه..

حين سلمت عليه لم يرد علي، لأنه كان مشغولا بنفسه، وبآلامه المبرحة التي يتمنى معها الموت، ويستعذب مقارنة بعذابها الرحيل من الدنيا..

كان يعاني من الأوجاع ما إن متاعبه لتنوء بالعصبة أولي القوة.. تعفن في الأمعاء، ورم خبيث في البطن آلامُه كالجحيم المستعر، مرارة ميتة دواؤها الاستئصال النهائي، أعطال في البنكرياس، عطب في المعدة، اضطراب في السكر، لغط في القلب.

لأول مرة في حياتي أعرف أن لغة الجسد تعبر أكثر مما تفعل أرطال من الكلمات، كانت المرة الأولى التي أرى فيها الألم يعبر عن بشاعته على ملامح هذا الرجل، لقد داهمني ذهول من حال إنسان يعاني كل هذه الأوصاب.. عراني اهتزاز عنيف، وغشيتني غاشية من وساوس الشيطان اللعين الذي أعجب كيف لم يردعه عن غيه هذا المشهد الذي أنا أمامه..

قالت لي نفسي: ولماذا يفعل الله به كل هذا؟ أليس الله “رحيما” بعباده؟ أليس الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها؟ فكيف يصب عليه هذا البلاء الذي لا يتمناه المرء لعدو ولا بغيض، فضلا عن أن ترضى به أم لابنها.

لم أجد جوابا سوى أن أتمتم وأنا أستعيذ بالله من الشيطان: آمنت بك يا رب، إن لك في كل شيء حكمة وإن لم أفقهها..

لا أستطيع أن أثبت بصري بجسد الرجل، إن وجهه يعبر عن آلام فظيعة، أحس والله بها كأنما هي رماح تغرز في أحشائي، وحرائق حامية تسجّر في داخلي، فتتلظى منها كل ذرة في كياني، كل هذه الآلام أرسلتها لي ملامحه المتغضنة، وعيناه اللتان أخذتا تجولان بلا هدف ولا مستقر، ومرأى فمه الذي لم يستقبل مذ أيام قطرة ماء، فقد صار يتناول غذاءه من أنفه بأنبوب من البلاستيك، وعقله الذي ذهل عن الدنيا، فصارت خلاياه لا تطلق إلا إشارات الأنين، وصرخات الاستغاثة..

لكن..لماذا يا رب؟

أستغفرك اللهم وأتوب إليك..آمنت بك، ورضيت بقضائك. لك الحمد كثيرا على ما أفهم وما لا أفهم!!

آه… ما أضعف الإنسان..

أنّ الرجل الذي يجاورنا أنة مثقلة بأطنان من العذاب، لم أطق البقاء، كدت أستفرغ ما في بطني من هول ما سمعت، هرعت إلى الممر لألتقط أنفاسي وأنظر، هل قلبي في موضعه أم تلاشى من ثقل ما عاين وعانى؟؟

ليس بد من العود إلى داخل الغرفة، كانت إحدى المرات القليلة التي أحسست فيها بنعمة العافية، وتفاهة الدنيا.. ولأول مرة في حياتي تدفعني الشفقة بإنسان إلى أن أتمنى أن يخطفه الموت عاجلا غير آجل..

أخذت أقول: يا رب!! ثم أعجز عن مواصلة القول، فماذا أقول؟ أنت عليم بالحال، لك الحكمة البالغة، أما أنا فأعترف لك يا رب! إني عاجز عن فهم ما يجري.

ها هي صرخة من الجانب الخلفي، حيث يرقد مريض آخر، هذه الغرفة فيها أشخاص ميئوس من شفائهم، ينتظرون أن يزورهم ملك الموت الذي وكل بهم، وأشد ما يؤلم أنه قد يتأخر كثيرا، فيطول انتظارهم، لكن عسى الله أن يجعل هذا العذاب الذي يلقونه في الدنيا وقاية وبرزخا لهم من عذاب الآخرة.

يا رب! إن رسولك صلى الله عليه وسلم أوصانا قائلا: “وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته” وداء عبدك ذا يذبحه بسكين صدئ مهترئ..وآلامه موت فظيع، فأرح عبدك يا رب! أرحه من هذه الحياة الخالية من معنى الحياة، أسبغ عليه رحمتك بشفاء عاجل، أو موت عاجل، إنه الآن يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت..

آه، ما أضعف الإنسان..

بعد ساعة خرجنا من “مستشفى النور”، وأحسست أني خرجت من مكان ليس هو بالدنيا ولا بالآخرة..

بعد أقل من ساعة كان أحد إخوتي يسألني: ما الذي يغضبك؟ قسمات وجهك ليست على ما يرام..

أجبته دون أن ألتفت إليه: لو تعلم ما أعلم..

في السابعة صباحا رن الهاتف رنينا شممت معه رائحةً أذكر أني شممتها من قبل، رائحة الموت، لم تخيب المكالمة فراستي، كان ابنه يحدثني بصوت متهدج: الوالد توفي..

وبعد ساعات من تلك الزيارة كنت –وبكل هدوء- أنظر إلى ذلك الجسد المسجى المحمول على الأكتاف في الطريق إلى مقبرة المعلاة، وأنا أقول: رحمك الله، أما العذاب الأدنى فقد ذقته، وقاك الله العذاب الأكبر، وغفر لك، وأعلى درجتك..

وبعد دقائق كنت أحمل في يدي قبضة من الرمل، لأحثو به في قبر هذا الرجل، وشيء ما في داخلي يهتف: عما قليل سيحثى عليك..لكن، لا تخف: فإنما يصار بك إلى من لم يأتك الخير إلا منه.

وما الدنيا سوى دار اختبار      وهل عيش بلا كدر يطيبُ؟

ومهما ضقت بالدنيا وضاقت      ففوق رؤوسنا أفق رحيب

Posted by: benumar | 29 يونيو 2009

أبي.. في العناية المركزة

كنت نائما ملء عيوني..لم أكن أعلم ما الذي تخبأه لي الأقدار..

وكالعادة..ومع ارتفاع أذان الفجر؛ كانت أمي تطرق باب الغرفة بضع طرقات..مؤذنة بانتهاء عهد النوم، استيقظت، وأخبرتني أمي بأن أبي لم ينم الليلة جيدا، بسبب آلام مبرحة في قلبه..

هرعت إلى أبي..

كان جالسا على سريره، بوجهه الأسمر، ولحيته المخضوبة بالحناء، وآثار الجهد والإرهاق بادية على محياه الذي ينبيك عن ستين عاما مرت من عمره..

لم أكن بحاجة إلى ما يؤكد لي أنه كان يعاني الليلة من ألم قاتل..

سألته عن صحته، فأجابني أنها جيدة، وبرهن على ذلك عمليا بأن صلى الفجر في المسجد..

وكان في ذلك الصباح مرحا جدا، ومبتسما تلك الابتسامة الغامضة التي تجعلك تحس بشيء ما، دون أن تعرف ما هو؟؟ حتى يقع الفأس على الرأس..

رأيت هذه الابتسامة في محياه قبل أن يدخل إلى العناية المركزة للمرة الثانية..

ورأيتها مرتسمة على محيا أخي وأستاذي: خالد العتيبي في الليلة التي سبقت الحادث الذي كاد يودي بروحه..

ابتسامة لا أستطيع وصفها.. لكنها هي هي، نسخ ، لصق!!

ورغم هذه البشارة التي رأيتها، كان إحساسي هو أن ما حدث الليلة كان سحابة صيف، ومشكلة عارضة وانتهت!!

ولم أدر أنها بدأت..

فحين عدت من المعهد إلى البيت ظهرا، لقيت إمام المسجد عند باب البيت، صافحته، فناولني شيئا عجبا، مفتاح سيارة الوالد!!

وبادرني سائلا: كيف حال الوالد الآن؟

قلت له: بخير..

ودلفت إلى داخل المنزل، وهناك سمعت الخبر اليقين!!

الخبر الذي هزني من الأعماق، ورغم ذلك استقبلته بابتسامة لا أدري بم أصفها..

ابتسامة بغيضة..

ابتسامة تأتي دائما في اللحظات الحرجة، تخرج هكذا عفوا، إنني ليسعدني أن أكون ممن يستقبلون المصائب بابتسامة، لكن مشكلة هذه الابتسامة هي أن الناس قد يفهمونها خطأ!!

الخبر الذي قالته لي أمي: هو أن أبي مريض..ومصاب بآخر شيء كنت أتوقع أن أسمع به..

بجلطة قلبية..

مسكين ومغرور هو الإنسان.. يظن أن الدنيا قد أعطته عهدا على أن تسقيه الشهد كل يوم، ثم إذا هي تأخذه على حين غرة!!

قصت علي أمي ما حدث بعد ما خرجنا من البيت للدراسة..

قالت: إن أبي أراد أن ينام، لكن آلاما مبرحة واجهته، كان يقبض على قلبه كأنما يريد أن يقتلعه من مكانه..

ثم يذهب الألم عن القلب مؤقتا..

وينتقل إلى المفاصل..

ويتصبب أبي عرقا..

ويبدأ يُكمِّد مفاصله في إعياء وضعف..

ثم يعود الألم من جديد، دواليك دواليك..

كان شيئا لا قبل لأمي به..فهرعت إلى الشارع تبحث عن واحد من الجيران.. لكن الحي كان شبه فارغ من الرجال، فقد خرج الجميع إلى أعمالهم..

وخرج أبي إلى الشارع يحبو أو يزحف.. فلم يدع له وجعه طاقة على الوقوف.

وبعد انتظار، مر إمام المسجد، وأدرك من النظرة الأولى أنه أمام رجل مريض.. فأخذه وانطلق إلى مستوصف قريب.

وفي تلك الأثناء.. علم أبو إسراء “زوج أختي ” بالأمر، فانطلق إلى المستوصف..

وانفرد به الطبيب، وقال له في لهجة عجيبة، وامتقاع وجهه ينبيك عن هول جسيم:

– اسمع، “لا تروح يمين ولا يسار”، انطلق به الآن إلى أحد اثنين.. مستشفى النور ، أو مستشفى حراء..

–  طيب، أعطني ورقة تحويل..

– لا.. لا، الأمر أعجل من أن أكتب لك تحويلا، أطلعهم على تخطيط القلب، وسوف يفهمون!

قل لهم: إنها جلطة في القلب..

وسار الرجل بسيارته ينهب الأرض نهبا..

وعند مدخل المستشفى، أوقف السيارة، ونزل عجلا..

بطبيعة الحال، هناك طبيب وطاقم تمريض على المدخل، في انتظار أية حالة طارئة تأتي..

وبسرعة، أطلعهم على ورقة “تخطيط القلب”

وقرأ الذعر في عيونهم..

ورآهم يتحركون كالمجانين، أحضروا النقالة..وحملوا الوالد بسرعة عليها، وانطلقوا..

وأخذ أبو إسراء يسابقهم، ويسألهم: ما الخبر؟ وماذا تفعلون؟؟

أجابه الطبيب دون أن ينظر إليه:

إلى العناية المركزة.. وشكرا لكم، فقد أحضرتموه في وقت أرجو أن يكون مبكرا..

(فيما بعد علمت أن ثلث من تصيبهم هذه الجلطة يصلون إلى المستشفيات جثثا هامدة)
قال لهم:

سأكون إلى جواره..

فأجابوا: لا مكان لك، إنه الإنعاش..

يقصدون الـ “إن عاش”!!

أنا الآن في حي الرصيفة..في مكتبة مسجد الهدى..أضع وجهي بين يدي.. مفكرا…

أتخيل أبي راقدا في المستشفى، بين الحياة والموت..

أرسلت إلى بعض المعارف بالخبر، ورجوت منهم الدعاء..

كم كانت ساعات رهيبة..

وكم كانت – رغم صعوبتها – رائعة!!

أحسست فيها بنعمة أن يكون هناك من يشاطرني همي، ويقاسمني مشاعري..

تعب جوالي..

كل حين كان يرفع عقيرته..

مكالمة، أو رسالة..

أناس يحلفون علي أن أخبرهم فورا إذا احتجت إلى خدمة..

آخرون يبدو لي أنهم يحملون من الأسى أكثر مما أحمل..

آخرون قابلتهم، فلما رأوني فقد بعضهم القدرة على الابتسام..

والعجيب أني لم أخبر طلابي بشيء مما جرى “كنت أيامها مدرس تحفيظ”

كنت أمارس حياتي بشكل طبيعي في ذلك اليوم، لولا أني كنت متوترا وسريع الانفعال..

حين أكون في مسجد الهدى، حيث أصلي بالناس إذا غاب إمام المسجد آنذاك “الشيخ فيصل غزاوي”، أحس بأنني في حضن أمين دافئ..

في مكتبة المسجد الهادئة.. وبين تلك المجلدات والأوراق والمجلات التي علا بعضها طبقة خفيفة من الغبار،
كنت أهرب من شجوني..وأفر من قلقي..

وبين حين وحين..

أطلق تنهيدة، وأقول: يا رب ! لطفك بأبي..

وأصبح الصباح..

إنه صباح مختلف..

لأني لم أشاهد أبي في الصف الأول في المسجد..

ولأني لم أر وجهه يبسم مع عسعسة الليل وإطلالة الفجر..
ولأني لم أسمع صوته وهو يرتل القرآن حتى ترتفع الشمس..

إنه هناك..

في العناية المركزة..

اليوم سيفتقده مصحفه..وتفتقده مائدة الإفطار.. ويفتقده الجيران..

وجوده في المسجد كان بديهة من البديهيات.. كوجود مكبر الصوت..

كان الجيران يسألونني..

كيف حاله الآن؟

هل يعرفك؟

هل يتكلم؟

هل.. هل..؟؟
لا أعرف يا جماعة!

أنا لم أره حتى الآن..
وذهبت إلى المعهد..
وحين بدأت المحاضرة الثانية، خرجت من المسجد الحرام.. وانطلقت عجلا إلى موقف “النقل الجماعي” أبحث عن حافلة تتجه إلى العمرة أو النوارية[1] أو الجموم[2]..

وجدت الحافلة..

دفعت التعرفة “ريالين”وانتظرت أن أصل إلى أقرب نقطة من المستشفى..

من الأشياء التي يمارسها مصممو “الفوتوشوب”، أنهم يعمدون إلى الصورة، فيُغبّشون أو يُعتّمون كل ما فيها إلا شيئا واحدا..يظهرونه بشكل واضح، لأنه هو المهم..

هكذا كانت الدنيا في عيني..

كان كل شيء مظللا، معتما، ومغبشا، كان كل شيء يغطيه الضباب..كل شيء!!

الحافلة، الناس، جسر المشاة الذي عبرت عبره  الطريق المتجه إلى المدينة المنورة، السيارات، رجال أمن المستشفى، الممرضون والممرضات، الأطباء، المراجعون..

لم يكن هناك شيء واضح في ذهني إلا شخص واحد..

أبي..
وبعد وقفة عند الاستعلامات، توجهت إلى المصعد.. وهنا بدأت اللحظات الصعبة..

ارتخت عضلاتي، دمعت عيناي، ارتجفت أوصالي، خفق قلبي..

أخذت أسير مسترشدا باللوحات، حتى رأيت ذلك الباب الخشبي الذي تحتل أعلاه قطعة زجاج مانع للصوت فيما يبدو..

وفوق الباب: كانت اللوحة الرمادية الكئيبة المكتوب عليها: العناية المركزة..

مذ تلك اللحظة، كرهت اللون الرمادي!!

فتح الحارس الباب، وسمح لي بالمرور بعد أن سألني عن اسم المريض الذي أريد أن أزوره.

دخلت..
وهناك..
في آخر غرفة على اليسار..

رأيته..
ولم أتمالك نفسي..

أبي الغالي

لك الله يا أبي، لكم أذاقتك الحياة من علاقمها!!

كان مستلقيا على سريره الأبيض، ووجهه ينطق بالإعياء..

احتضنته.
هل قلت: احتضنته؟

كيف أحتضنه؟؟ هنالك عوائق عديدة..

تلك الأسلاك والأجهزة المتعددة التي تتصل بجسده..

حتى المصافحة لم تعد شيئا ممكنا بسهولة، لا بد لي أن أرفع يده، التي يعض جهاز ما على أحد أصابعها،
انكببت عليه، قبلت يده وجبهته..

سألته من خلال دموعي عن صحته، فأجاب بأنه بخير..

ذهبت إلى الطبيب، وسألته عن الأمر..

قال:
أرجو أن يؤول الأمر إلى خير، وهو يحتاج إلى أيام للخروج من مرحلة الخطر..

ثم أخذ يطمئنني بكلام خدعني به..

نعم “خدعني به”

لأن الكلام الذي قاله لأمي وأختي كان مغايرا لما قاله لي..

كان العجب أن أمي وأختي كانتا أكثر مني ثباتا وأربط جأشاً.

حين قال لهما الطبيب:

“مريضكم في حالة غير مستقرة، وفحوصاتنا تدل على أن هذه هي الجلطة الثانية التي أصابت قلبه، هناك جزء ميت من عضلة القلب، ونأمل أن تسفر الأيام القادمة عن استقرار في حالته”

ثم صمت قليلا..

ثم مط شفتيه وقال:

“سأكون صريحاً معكم..

نحن لا نخشى من الجلطة نفسها، ولكننا نخشى المضاعفات الشديدة التي (قد) تحصل فيما بعد..”

وسكت، وكأنما تردد في إكمال حديثه..
ثم قال:

“لا أحد يدري..ولكن المضاعفات قد تكون آلاماً في المفاصل، أو شللا، أو غير ذلك”.

ولم يخب ظن الطبيب..

لأن ما حدث بعد ذلك لم يكن شللا..

بل كان أخطر من الشلل.. بكثير!!

ها هو يوم جديد..

هذه المرة في جيبي هاتفان، أحدهما لي، والآخر هو الذي يخص أبي.

خطر ببالي أسامة الصافي وهو ينشد:

إنما أنت أنا لكنما.. جمعت أرواحنا في جسدين..

أنت مني عضدي بل ربما.. في مقام الرأس مني واليدين!!
.. وقد خرجت مبكرا من المعهد، لأصل إلى المستشفى في تمام الحادية عشرة، ولا أضيع دقيقة واحدة من وقت الزيارة القصير الذي لا يمتد أكثر من ساعة واحدة فقط، وبإجراءات وتعقيدات سخيفة (يكون عند المريض اثنان من الزوار فقط في كل مرة)

هذه المرة كان أبي في حالة نفسية جيدة..

رغم أن ضغط الدم عنده منخفض جدا..

وحالته الصحية “كما أخبرني الطبيب” غير مستقرة، ولا يزال في مرحلة الخطر..

لكن الأطباء كانوا يطمئنونه، ويخبرونه بأنه في تحسن كبير..

والواقع أن التحسن الذي جرى بعد ذلك كان مذهلا للأطباء أنفسهم!!

فبعد ثمانية أيام من المكث في العناية المركزة..

رأوا أن من الممكن أن ينقل من العناية المركزة..

لكن ليس إلى قسم الباطنية..

بل إلى مكان أكثر عناية من الأقسام الداخلية، وهو الذي يسمى “المركز الاستشاري”

وكان الفارق هائلا بين العناية المركزة والمركز الاستشاري..

فالعناية المركزة.. مكان كئيب.. تدخله الحالات الصعبة، وكثيرا ما تخرج منه جنائز..

أذكر أني افتقدت مريضا بجوار أبي في العناية المركزة، فسألته عنه، فأجابني ببساطة:مات!

وأذكر أني قابلت “العم صالح”، سائق الحافلة التي تقل الطلاب من وإلى دار الحديث المكية، وأخبرني أن والده في العناية المركزة أيضا، بعدما تعرض لحادث مروري..

ولفظ أنفاسه بعد أيام..رحمه الله..

هكذا هي العناية المركزة..

توقع في أي وقت أن ملك الموت واقف إلى جوارك في الغرفة، لينزع روح أحد المرضى هناك..

العناية المركزة كلجة البحر.. الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود، والمرضى فيها دود على عود!!

وفي الغرفة الواحدة من غرف العناية المركزة ثلاثة مرضى، وأصوات الأجهزة وخطوات الأطباء وجيش الممرضين وعمليات الفحص المستمرة على مدار الزمن، تصم الآذان وتؤذي العين والقلب!!

والجو مليء بالتحفز والترقب..

والزيارة لمدة ساعة في اليوم فقط، والحال مزعج للمريض والزائر..

أما المركز الاستشاري..فعلى العكس..

فالمكان بهيج رائع، في “ديكوره” وأثاثه..

والمريض هناك يقيم في جناح فاخر، ويحظى بعناية رائعة..

وليس هذا فحسب، بل إن الزيارة مفتوحة 24 ساعة!!

وجلست عند الوالد حتى ألح علي بأن أنصرف إلى حلقتي ومسجدي، فانصرفت..على أمل بلقاء قريب..
ولكن!!

لم يرني أبي.. ولم أره..

فثمة أمر طارئ حال دون اللقاء!!

الساعة الثالثة فجرا..

طرقات عنيفة على باب غرفتي!!

استيقظت ساخطا منفعلا..
يبدو أن الأمر عاجل جدا..

رأيته..
شاب يلبس ملابس مدنية، وبيده جهاز لا سلكي..

هو: “معاك الحكومة”

أنا: “الله يحيي الحكومة”

هو: “تفضل معانا”

وببساطة.. تفضلت معاهم!!على أن أعود “كما زعم” مع طلوع الفجر..

لكن حصلت أشياء خارج نطاق السيطرة جعلت فترة الضيافة تتمدد..

وفي التوقيف..

مكثت أكثر من ستين ساعة..

لماذا؟
لا أدري..

ولا من معي يدري..

ولا العساكر يدرون..

قضاء وقدر..!!

لكن الذي لم أسامحهم فيه، هو أنهم لم يسمحوا لي بالاتصال بأبي.. لأطمئن على صحته.. وبالأحرى، لأطمئن على حياته!!
قالوا: ممنوع!

وبالفعل، كان كل شيء ممنوعا، فقد دخلنا إلى غرفة التوقيف بعدما نزعنا الأحذية، وفرغنا جيوبنا من كل شيء!!

بعد ثلاثة أيام..خرجت من الكابوس! أعني القسم..

بعدها علمت أن جريمة سطو بشعة وقعت في منزل أحد أثرياء الحارة، وبعدها حققوا مع أغلب شباب الحارة، حتى معي أنا الذي لا أقدم على قتل “وزغة”!

حين خرجت، كان شعر رأسي يلتهب ناراً من ثورة القشرة..فقد مضت ثلاثة أيام لم أغتسل فيها!!

حين استرددت جوالي.. وفتحته.. كانت هناك عشرات رسائل “موجود” تخبرني عن مكالمات
مفقودة..
ولكن، هناك ما هو أهم من رسائل “موجود”

هو أنني حين وصلت إلى البيت كان أبي غير موجود!!

إنه ليس موجودا في البيت..

ولا في المستشفى..

بل في مكان آخر..
دخلت غرفته التي لم تمس منذ أيام..
هنا سريره..
وهنا مصحفه..

وهذا مشجب ملابسه..

فتحت خزانة الملابس..

هذه ملابسه..

لم يلبسها حين مضى..

بعد دقائق..جاء زوج أختي..

وقال: هيا..

قلت له:

انتظر، دعني أستحم، لألقي عني وعثاء التوقيف.. وأطفئ ثورة القشرة في رأسي..

قال:
لا.. تعال.

قلت له:

طيب، خليني أشيل ملابسي.
قال:
لا.
فذهبت في استسلام.

وركبت صامتا في سيارته “الهيونداي”

وفي داخلي تتماوج أشياء وأشياء..

وهناك..في بيت أختي..

رأيت عند الباب.. حذاء أبي..

وصعدت الدرج وأنا في غاية الألم..

وهناك..
في غرفة المكتبة..

كان هناك سرير مرفوع..

وعلى السرير.. كان أبي..

كان مستلقيا.. مبتسما.. تلك الابتسامة المشرقة..
السلام عليكم

رد أبي:

وعليكم السلام ورحمة الله..
سلمت عليه، وجلست..

ناولني قطعة تفاح.. أكلتها في شراهة.. لي ثلاثة أيام لا آكل إلا طعاما مجازيا، ولا أشرب إلا من مغسلة الحمام.
سألته: متى خرجت من المستشفى؟

أجابني: أمس..

الحمد لله..
ومرت أيام ثلاثة..

كنت فيها بجوار أبي في منزل أختي في حي “البحيرات”، القريب من مستشفى حراء..

يوم الجمعة.. كان لا بد لي من الذهاب إلى منزلنا في حي الرصيفة..
ودعت أبي..

وحينها ابتسم تلك الابتسامة الغامضة..

نفس الابتسامة التي شاهدتها عليه يوم دخل إلى المستشفى..

لكني لم أفهم..

صليت الجمعة مع أستاذي خالد العتيبي..
أوصلني بعدها إلى بيتنا في الرصيفة..

بعد صلاة العشاء..

وبينا أنا مع الصديقين العزيزين: ثامر وعادل.. إذ رن هاتفي المحمول..
أنا: نعم.

هي: السلام عليكم.

أنا: وعليكم السلام.

هي: بابا…

أنا: ايش به؟

هي: دخل العناية مرة ثانية.

..ولم أتمالك نفسي..

لم أكن أعلم أن كل ما حصل في الماضي، يعد بالنسبة إلى ما سيأتي مجرد ألعاب أطفال!!

ها هو أبي يعود بغتة إلى العناية المركزة من جديد..

حتى الآن.. لا أحد يدري ما الذي دهاه… وعلي أن أذهب إلى المستشفى لأستطلع الأمر.. ولأسلم الطبيب أوراقا طلبها المستشفى[3]

عند موظف الاستعلامات .. وقفت لدقائق أجري مفاوضات.. وبعد اتصالات وزحمة كلام.. سمح لي بأن أصعد إلى العناية المركزة..

السبب المعلن هو تسليمهم الأوراق التي طلبوها..

والسبب الحقيقي هو التعرف على حالة أبي.. ومعرفة سر انتكاس صحته على هذا النحو المهول!!

وكأن أبي كان يقول بلسان حاله:

دخولي باليقين بلا امتراء     وكل الشك في أمر الخروج

طرقت باب قسم العناية المركزة.. كان الباب خشبيا له نافذة زجاجية سميكة..

أخذت إحدى الممرضات تخاطبني بلغة الإشارة..وبعد لأي.. فتحت الباب..

ودخلت…
بدا لي قسم العناية المركزة مهيبا مخيفا..يحمل رائحة الخطر..

مع تلك الإيقاعات التي تعزفها الأجهزة الطبية المختلفة.. كان الموت ينشد…(أنا عائد أقسمت أني عائد)
جاء الطبيب مسرعا.. مبتسما ابتسامة مشرقة..

بادلته الابتسامة بدوري.. لا يصعب علي أن أبتسم في الظروف الصعبة!!

سألته عن حاله.. وكأني أعرفه..

ثم سألته عن صحة أبي.. وخبر مجيئه..

إن لكل مريض من المرضى قصة… وأعتب على كليات الطب أنها لا تعلم الأطباء فن كتابة القصة.. تالله لو فعلت ذلك لأثرى الأطباء الساحة بقصص تذوب لها المعادن من غير فرن..

أجابني في صراحة آسرة:

“قصور في وظائف القلب أثّر على الرئتين، فامتلأتا بالسوائل، وفقد القدرة على التنفس بشكل طبيعي.. كما أن نبض القلب كان متوقفا عندما وصل إلينا..والحمد لله الذي يسر وصوله في وقت مناسب.. بعد صلاة المغرب.. أجرينا له عمليات تدليك.. ثم نقلناه إلى الـ إن عاش فورا.
سألته: وكيف هو الآن؟؟

قال:
الآن.. حالته مستقرة..

قلت: وهل هناك أمل؟؟

قال: لا أستطيع الحكم بهذا قبل ثلاثة أيام..لكن الأمل في الله سبحانه..

سألته : أين هو؟؟ أريد أن أراه..

أشار إلى إحدى الغرف..

ودخلت.. ويا ليتني لم أدخل!!

تصلب جسدي وأنا أنظر إليه..

كان متمددا على سرير أبيض من أسرة العناية المركزة.. والأسلاك متصلة بجسده…كأنما تعمل بالنيابة عن جسده الواهن..

وإلى جانبه كان جهاز كبير الحجم، غريب الشكل، له صوت كنقيق الضفادع..

وعرفته على الفور.. إنه الرئة الخارجية.. أو جهاز التنفس الصناعي..

وقد اتصلت به أنبوبة عريضة سدت الفم تماما..

لم أحتمل.. فخرجت على الفور..
كانت تلك الثواني..والدقائق… والساعات… من أفظع.. بل أفظع ما مر بي في حياتي..

كنت حين آكل.. أحس بأني آكل ترابا.. لا طعاما.. إي والله، لا أبالغ.

لم يعد للحياة طعم..

كانت ساعة الزيارة أثقل الساعات..

لا عن بغض لك يا أبي.. ولكن زيارتك كانت والله عذابا نفسيا لا يطاق!!

وما يجدي أن أزور فأجدد آلامي.. وأفجر حزنا جديدا في قلبي.. ولم أكن سلوت .. ولكن زدت جمرا على جمر!!

وهل تعلم يا أبي أني قد زرتك؟؟ وأنت هنا ترقد بلا وعي ولا حراك؟؟
كان الوضع باعثا على الغثيان والألم..كل الألم..
كنت أنظر إلى الزوار..

كانوا يدخلون والحزن باد على وجوههم.. ولكني لم أر أحدا منهم خرج بلا دموع..

ذات يوم دخلت للزيارة..

كانت هناك طبيبة ومعها طاقم من الممرضات.. يجرين بعض الفحوصات.. ويأخذن عينات من الدم..

سألت الطبيبة.. كيف هو؟؟

قالت:
كلمه، إنه يسمعك..

قلت من خلال دموعي: أبي.. هل تسمعني؟؟

أشار برأسه: نعم..
لم أطق البقاء.. فخرجت فورا..

ذات يوم رفعوا جهاز التنفس الصناعي..

لم تكن الدنيا لتسعني وأنا أرى أبي يتكلم كبني آدم ويتنفس كبني آدم..

نعم. إنه لا يزال في مرحلة الخطر،ولا يزال واهن الجسم بصورة لم أرها من قبل؛ ولكن بعض الشر أهون من بعض..

وتمر أيام.. وينقل أبي إلى قسم الباطنية..

وتدريجيا.. يتحسن الحال..

ويأذنون له الخروج من المستشفى..

وغادرنا المستشفى.. بحمد الله وعونه..

ولكن.. دوام الحال من المحال!!

هي الأمور كما شاهدتها دول     من سره زمن ساءته أزمان

مرت أيام.. وأسابيع.. وشهور..

وفي ذات يوم.. في الحادية عشرة صباحا عدت إلى البيت بعد انتهاء إحدى المحاضرات المملة..
عادة يكون الباب الخارجي للمنزل موصدا..لكني اليوم رأيت الباب مفتوحا..

عجبت لهذا الخرق الواضح للعادة المحكمة..لكني لم أبال كثيرا..

وحين دخلت رأيت كلا البابين الداخليين موصدين تماما..

عدت إلى الخارج، أخذت أقرع الجرس المزعج الذي يوقظ الموتى، ويسمع الصم..ولم أعثر على استجابة..
تلفتّ أبحث.. فلم أجد سيارة الوالد..

أخذ القلق يسجر نيرانه في داخلي..أدخلت يدي إلى جيبي لا لأخرج المفتاح، فأنا لا أحمل في جيبي مفاتيح عادة.. ولكن لأخرج هاتفي المحمول..كي أتصل بأبي أو أختي..(لن أقول اسمها!!) لأعرف أين هم؟
لكن الجهاز.. تبا له.. ليس في بطاريته قطرة من الطاقة!!

استبد بي القلق..وأنا أتذكر السعال العنيف الذي سمعته فجر اليوم.. لعل أبي أرهق جسمه فأدخل إلى المستشفى..
وتداعت ذكريات العناية المركزة.. والتنفس الصناعي.. والمركز الاستشاري.. وقسم الباطنية..
وتعاظم هذا الاحتمال في ذهني.. لأن أبي لا يزال يعاني من بعض آثار تلك الأزمة التي طالته قبل عام..

وسلم الله فخرج منها -على خلاف ظن الأطباء- حيا معافى..

وبدأت رحلة البحث عن المفاتيح.. لا بد أنهم تركوها في أحد المخابئ السرية..بحثت تحت سلة النفايات، وفي بطون الأحذية.. حتى وجدت المفاتيح..

فتحت الباب.. وبدأت رحلة البحث عن شاحن جوال..حتى أستطيع أن أتصل بهم وأعرف أخبارهم..

يبدو أنهم حاولوا الاتصال بي كثيرا.. فلم يسمعوا إلا الخيبة : “إن الهاتف المطلوب لا يمكن الاتصال به الآن، نرجو محاولة الاتصال في وقت لاحق”.

وجدت الشاحن..لكنه من النوع القديم..ولا يمكنه أن يوصل الكهرباء إلى n 73
وبدأت رحلة ثانية للبحث عن شاحن مناسب.. أو وصلة تصل بين الشاحن القديم والجوال..

تمنيت أن أشغل الحاسوب، وأفتح قائمة إبدأ، بحث، وأسحب الكلب الصغير الأصفر إلى دنيا الواقع ليشاركني البحث

وأثمر البحث عن شاحن جديد..

لكنه من نوع سامسونج!! تبا لأخي الأصغر.. جواله سامسونج..

بعد انتهاء رحلة البحث..

أخذت أنظر في غيظ إلى أنواع من الشواحن..

شاحن n 73 لكنه مقطوع الرأس لا يعمل..

شاحن نوكيا قديم.. لا يفيد في هذه الحالة

وصلة مهترئة لا تعمل..

شاحن سامسونج..
وأخيرا.. وجدته

شاحن جديد.. من طراز dell لجهاز اللاب توب!!

ليس لي من حل سوى الهرب إلى أقرب بقالة.. لأشتري شاحنا..

وبعد طول بحث.. وجدت الشاحن، لكنه كان من النوع التقليدي الرديء، وبسعر مضاعف..

وفي فورة سخط..خرجت من البقالة.. وأخذت أفكر في بديل آخر..
وجدتها.. كابينة الاتصالات!!

لكن لا بد للوصول إليها من المشي خمس دقائق..

فليكن!!
حين وصلت إلى الكابينة وجدتها قد تحولت بقدرة قادر إلى مكتب عقار..

وليس ثمة حل سوى الذهاب إلى السوبر ماركت..

خمس دقائق أخرى من المشي..

وبعد دقائق كنت عند المتجر، فوجدتهم يغلقون أبوابه نظرا لقرب ميعاد الصلاة!!

وجدت في النهاية شاحنا بخمسة وثلاثين ريالا.. يقولون إنه أصلي..

أخذته..وعدت إلى البيت مهرولا ألهث.. دلفت إلى البيت مسرعا..

شبكت الشاحن بسرعة، انتظرت لحظات قبل أن أضغط على زر التشغيل..

بدت لي الثواني التي يحتاجها الجهاز لاستعادة وعيه أشبه بدهر..

اتصلت بجوال الوالد..وبصقت السماعة في أذني:

“عفوا .. الرقم الذي طلبته لا يمكن الاتصال به الآن”

تزايد قلقي.. تذكرت لوحة العناية المركزة..

وفي توتر بالغ..اتصلت بأختي..
– ألو..

– السلام عليكم

– وعليكم السلام.

– وينكم؟؟

– في السوق مع بابا.

ولم أتمالك نفسي!!


[1] العمرة والنوارية: حيان في شمال مكة يقع بينهما مستشفى حراء.

[2] الجموم: محافظة صغيرة في شمال مكة المكرمة، يبلغ عدد سكانها 41,727 نسمة، حسب التعداد السكاني لعام 2004 م.

[3] المستشفى مذكر لا مؤنث

Posted by: benumar | 29 يونيو 2009

طيحني

كنت في المسجد “نسأل الله الإخلاص” حين قام ذلك الشيخ الشهير، وأخبرنا قائلا:

في عام 1412 كنت طالبا في كلية الدعوة بجامعة أم القرى، وبينا نحن في قاعة الدرس والمدرس الفاضل يشرح لنا ما ندرسه، إذ حانت منه التفاتة إلى النافذة، وبدا لنا أن شيئا ما قد أثار انتباهه، وصدق ظننا حين قطع الأستاذ كلامه قائلا: كم كان ذوقنا سخيفا حين كنا نظن هذه جميلة!!

وهرع الطلاب إلى النافذة ليشاهدوا ذلك الشيء الذي لفت انتباه الأستاذ، فإذا هم بسيارة من طراز “مرسيدس بينز” من إصدار عتيق جدا، عجبنا لها كيف أنها لا تزال تعمل حتى اللحظة!!

لقد كانت هذه السيارة أول ما نزلت إلى الأسواق شيئا رائعا، كان يشار إليها بالبنان، وتذوب فيها نواظر النظار، تتذوق فيها مناحي الجمال ونقاط القوة والروعة، ولكن الإصدارات الجديدة من هذه السيارة جعلت الناس يعافون هذا الطراز الذي كان ملء أسماعهم وأبصارهم، وإذا ذلك الشيء الذي كان أجمل ما في الإمكان يتحول إلى شيء قبيح شائن بغيض، وإذا ذلك الشيء الذي كان قمة الجمال يتحول في عيون الناس إلى نشاز..

وهكذا هو الحال مع الجوالات، كلما هبط على رؤوسنا طراز جديد من هذه الأجهزة عددنا ما قبله نفاية من نفايات الماضي!!!

لربما تقولون:  ما علاقة هذا الكلام الطويل الممل بموضة “طيحني”؟؟

وأقول لكم:

إن سر الأزمة هو (وسامحوني على صراحتي) اختلال مقاييس الذوق في عقولنا، فعلى أي أساس نعتبر الشيء “أي شيء” جميلا أو قبيحا؟؟

على أساس الدين، أم العادات والتقاليد، أم الموضة؟؟ أم هوى أنفسنا وأمزجتنا؟؟

وإلا فأي جمال في أن ينزل الشاب بنطاله عن مكانه الطبيعي، ويكشف أو يكاد يكشف سوءته مجانا للناظرين، كأنما أصاب أسعار القماش الغلاء، فلم يجد منه ما يشد به البنطال إلى خصره!!

يقول العرب: تموت الحرة ولا تأكل بثدييها، ولو أنهم أدركوا هذا الـ”طيحني” لقالوا: يموت الحر ولا يستعرض بعورته!!

هذا هو ملخص “طيحني”

لون من اختلال الذوق، ومسايرة الموضة، ولو أتت بما يصادم الفطرة أو يخدش الحياء أو يذبح الذوق..

لقد ظننا أن هذه الموضة السخيفة إنما هي حماقة من حماقات الشباب لا يلبث أصحابها أن يقلعوا عنها، ولكنها لا تزداد إلا انتشارا، ولقد صرنا نراها في كل مكان حتى في المساجد، ويا شين منظر لابس البوكسر وهو ساجد!!!!!!!!!

من أراد أن يرتدي الــ”طيحني”، فليتأكد جيدا أنه قد طيح من عقله معاني الحياء، لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم قال: “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”

هكذا قال الشيخ، فمن أغضبه منكم كلامي فليسأل عن الشيخ حتى يصب جام غضبه عليه، فإنما أنا مجرد ناقل!!

n533603024_900065_3981

Posted by: benumar | 29 يونيو 2009

في المطعم

في المطعم

أنا اليوم مراسل صحفي حقا، لأنني أكتب هذه الحروف من قلب الحدث، ومن داخل أحد المطاعم..
وقد رأيت من (ذوق) هذا الشعب ما سد شهيتي، فعفت الطعام، وفتحت المفكرة لأكتب لكم هذا الكلام..
كنت واقفا عند المحاسب، أريد أن أطلب طبق “تونة بالبيض” .. ولكني كلما هممت أن أفتح فمي بالطلب فوجئت بصوت منبعث من خلفي أو عن يميني أو شمالي..

– واحد كبده..

– اثنين شكشوكة..

– هات اثنين فول. وواحد معصوب بالقشطة..

(عيب عليك يا ولد، انتظر دورك)

أنظر إليه في غيظ وعتاب، لكن يبدو من تقاسيم وجهه البلهاء أنه لا يعتبر نفسه قد قام بشيء مشين، وبينا أنا أطارد شعوري بالغيظ؛ إذ دخل المطعم شاب أنيق الثياب، غض الإهاب، وسيم الملامح،متمكيج (كأن رجولته خطأ مطبعي كما يعبر الطنطاوي!!) …ولكن!!

وما ينفع الفتيان حسن وجوههم      إذا كانت الأخلاق غير حسان

ونهق الفتى: هات عريكة بالجبن..

والمحاسب التنبل، لا ذوق لديه يدفعه ليأخذ الطلب من الأقدم وقوفا، وإنما الأخف لسانا..

وقلت لنفسي:

من لم يكن ذئبا أكلته الذئاب..والله لئن ظللت واقفا هكذا كتمثال الشمع ليقفلن المطعم دون أن تنال شيئا، وخلّ أخلاقك تشبّعك!!

رجل كبير في السن..

وآخر يرتدي الزي العسكري..

وثالث يلبس جينزا ضيقا لو لمسته بالمشرط لانفجر..

ورابع مطوع بلحية وشماغ..

وخامس يبدو من ثيابه الثمينة أنه رجل أعمال..

كلهم لا يبالون بالدور..ولا يلقون بالا لمن جاء أولا!!

مجتمع خلا قاموسه من معنى الذوق!!

سبحان الله!!

لقد حكي لي عن كلب في لندن يقف في الطابور ولا يتعدى دوره!!

فهل صارت كلاب لندن أكثر ذوقا منك؟؟ أيها الإنسان الكريم!!
طلبت الطبق، وجلست على مائدة في المطعم أكتب ما تقرؤه الآن، ثم حضر الطعام، وحال الهرس دون الدرس!!800px-Supreme_pizza

Posted by: benumar | 29 يونيو 2009

لهذا السبب لن أصلي

قال لي صاحبي معاذ:

كنت البارحة نائما في حفظ الله ورعايته، لا يكدر صفو نومي إلا كوابيس وأحلام مزعجة اعتادت أن تزورني كل ليلة سبت!! يتراءى لي فيها “الدكتور…….” في زي مرعب، وشكل كريه، ونكهة نفاذة، يطاردني، يقترب مني، يمسك بتلابيبي، أحس بحر أنفاسه، يقودني إلى القاعة، يسمرني بمسامير “صلب” على كرسي متهالك، ثم يلقي علي محاضرته..

أحس بأنه “خانوق” جاثم على صدري يريد أن يذبحني، أحاول أن أتنفس فيضيق نفسي، أروم الصراخ، ولكن الصرخات تحتبس في بلعومي، أحاول أن أقرأ آية الكرسي، لكنها تضطرب في حلقي، فألجأ إلى البكاء، لكن الدموع تحتبس، والصوت ينكتم، كأن الشيطان قد نشر غسيله على حبالي الصوتية!! فأبكي بالنية..

ثم يذهب الكابوس فجأة، فأستيقظ وألهث، وأتهاوى على أريكة مقابلة لسريري، ألتقط أنفاسي، ثم أضغط على أزرار الإضاءة، فأفتح المصابيح الثلاثة كلها، وأنام تحت الضوء، لأني قرأت أن الجن يفضلون الأماكن المظلمة..

لكن ما حصل لي فجر اليوم كان أكبر وأفظع من كل الكوابيس التي مرت بي باستثناء ذلك الحلم الذي رأيت فيه الشيطان يصارع أبي..

سألته عن ذلك الحلم، فانتفض قائلا: لا..لا أستطيع..

ثم تنهد وأكمل رواية قصته قائلا:

بينا أنا نائم في حفظ الله، إذ سمعت طرقا عنيفا على باب غرفتي!

طرق يوحي بفاجعة، وينذر بمصيبة، يسمع الموتى ويزعج الصم، نهضت فزعا، وسرت إلى الباب مترنحا من أثر النوم والنهوض السريع، كنت قد نمت في نحو الثانية ليلا، فتحت باب الغرفة، توقعت أن أرى شرطيا أو رجل مباحث في مداهمة ليلية بناء على بلاغ وهمي!! أو أرى مجموعة من السكارى أخطئوا عنوان منزلهم فدخلوا منزلنا ثم وقع اختيارهم على باب غرفتي ليخلعوه، واشتط بي الخيال فتوهمت نفسي في رام الله، وتوهمت هذه الطرقات يد أحد جنود الشاباك، تدعوني للتحقيق لأن محافظتي على الصلوات الخمس جعلتني موضع شبهة لدى أجهزة الأمن!!

ولكني رأيت آخر شخص يمكن أن تخمنوه..

رأيت أمي..

سألتها فزعا: ماذا جرى؟

قالت بلا اكتراث: يلا صلاة، أذنوا الفجر.

انهارت أعصابي، تمنيت أن أصرخ في وجهها: أمي! أنا أستيقظ بطرقة خفيفة وليس بصوت انفجار قنبلة هيدروجينية.

كان يمكنك أن تطرقي الباب طرقا خفيفا، إنك تدركين أني خفيف النوم، وأن أدنى همسة كفيلة بأن توقظني..فلماذا العنف؟؟

لكني لم أجرؤ على أن أقول هذا الكلام لها، ستعدني ولدا عاقا، وعديم الأدب أيضا..

لذا اكتفيت بأن عدت إلى أريكتي، وهويت عليها ألتقط أنفاسي، وأندب حظي..

بدأت خواطر شيطانية تتوارد على رأسي، لماذا أصلي حين توقظني أمي بهذه الطريقة؟ أهذه طريقة لإيقاظ نائم لأداء الصلاة؟ إن الله سبحانه يحب أن نساق إليه مدفوعين بالحب والرغبة بدل أن نجر إليه بسياط من زعيق وفظاظة!!

أعذر أحيانا من يتخلفون عن صلاة الفجر لأن الطريقة التي يوقظون بها تجعلهم يتسمرون على فرشهم رهبة أو “عباطة”..

نهضت، وتوضأت، وذهبت إلى المسجد، وصليت، وفي طريق عودتي لاحظت عجبا..

ركبتاي لا تقويان على حملي، أخذت أمشي الهوينى كالعجوز بجوار الجدار، عدت إلى البيت وتهاويت على سريري، ونمت لكي أتناسى غضبي، وطال النوم حتى ذهبت المحاضرة..

لما انتهى معاذ من قصته سبحت في بحر من الأسى..شعرت بأننا كثيرا ما ننفر الناس من دين الله، فيضل سعينا ونحن نحسب أننا نحسن صنعا.

والمشكلة أننا كثيرا ما نسمي الأشياء بغير أسمائها الحقيقية، كما يسمون الجهاد إرهابا، والالتزام تطرفا، والتمرد على الله حداثة، وكما يصفون الفاحشة بـ “ممارسة الحب!!”

فقد نتعامل مع الناس بغلظة وشدة، ونسمي هذه الشدة “إنكارا للمنكر”، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينكر الكثير من الموبقات على أصحابها دون أن يجرح مشاعرهم أو يسوء معهم خلقه.

قال لي أحد أولاد الحارة:

إنني أكون أحيانا مع أصحابي من شباب الحي فيمر تركي، وهو أحد الشباب المطاوعة، ويقول لنا: ألم تسمعوا الأذان؟؟ ألا تخافون الله؟؟ ألم تسمعوا بأن تارك الصلاة كافر؟؟ حرام عليكم أن تجلسوا وأنتم تستمعون النداء إلى الصلاة وتصمون آذانكم،…ويلقي علينا من هذا الكلام وأمثاله من التوبيخ والزجر، فنركب رؤوسنا ونجلس في أماكننا، ولا نصلي، بل ونتعمد أن نجلس في نفس المكان حتى يمر بنا بعد الصلاة فيرانا لم نبرح مكاننا فيموت من الغيظ!!

وأحيانا أخرى يمر علينا نواف، وهو مطوع آخر، لكن شتان ما بينه وبين صاحبه الأول، إنه ليمر فيسلم علينا وابتسامته تسبقه، فنرد عليه السلام ثم نصحبه إلى المسجد خجلين كالصغار دون مقاومة!!

لقد نفرنا تركي بسوء خلقه، وأسرنا نواف بابتسامته وحسن شمائله.

تركي قرأ قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك) لكن نواف هو الذي أكمل الآية فقرأها هكذا ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)

ولذا كنا إذا مر بنا تركي نقرأ (فويل للمصلين) وننسى أن نكمل(الذين هم عن صلاتهم ساهون)

ضحكت بمرارة، وقلت له: أحيانا أحس أننا نشبه ذلك الذي اشترى “كرفتة” بألف دولار، ونسي أن يشترى سروالا!! حين نقدم الدين على أنه شعائر تؤدى، ولا بد لها أن تؤدى، وفي سبيل حرصنا على أداء هذه الشعائر ننسى شعائر أخرى!

ننسى أننا نخاطب بشرا، وننسى أن قيم الإسلام لم تنزل لتفرض نفسها على الناس، ولكن لتجذبهم إليها..

وتابعت قائلا: ألا تعتقد أن الصلاة شيء طيب؟

فقال: بلى، الدين كله رائع وجميل، ولكن:

كم من سلعة نفيسة أعرض عنها الناس لسوء تغليفها!!!!!

Posted by: benumar | 28 يونيو 2009

جامعة غزة المفتوحة!!

جامعة غزة المفتوحة..

هي أكبر جامعة في التاريخ..
لأن عدد أعضاء هيئة التدريس بها مليون ونصف..

وهو عدد لم تعرفه جامعة قط!!

وهي جامعة مختلفة تماما..

فأعضاء هيئة التدريس بها لا يستلمون رواتب.. بل يدفعون..

يدفعون من دمائهم، وأروح أطفالهم ونسائهم..

يدفعون بيوتهم، وأمنهم، ومساجدهم ومدارسهم..

يدفع بعضهم عضوا من أعضائه أو أكثر.. يدا، أو رجلا، أو عينا..

وهي جامعة مختلفة جدا..

لأن الأساتذة فيها يبلغون قمة عطائهم.. حين تسلب أجسادهم الأرواح!!

وعن نفسي أتحدث.. حين أقول: إني بادرت بالتسجيل في هذه الجامعة..قبل عشرين يوما..

وأقول لكم، بصراحة وصدق..
إن ستة عشر عاما قضيتها في الدراسة.. الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعية، لم أتعلم فيها ما تعلمته من جامعة غزة المفتوحة.. في عشرين يوما فحسب!!

..

تعلمت في جامعة غزة الكثير والكثير..

تعلمت أن امرأة واحدة قد تكون أكثر رجولة من ألف ألف رجل، وأن صبيا صغيرا يفعل ما لا يفعله أصحاب العروش والقروش والكروش المنبطحون هنا وهناك..

تعلمت أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا..
تعلمت أن النصر بالنسبة لأهل غزة هو صنعاء، والراجز القديم يقول:
لا بد من صنعا وإن طال السفر!!
وتعلمت أن التضحيات بالأرواح والدماء، والآباء وفلذات الأكباد.. هي الدرب الطويل.. الذي لا بد من يلوكه للوصول إلى بر الأمان، والمثل اليمني يقول: درب الأمان.. ولو ثمان!!

تعلمت أن حصن المسلم عند اشتداد الأزمات في الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء.
وتعلمت من الطفل الذي فقد بصره، والطفلة التي بترت قدماها، والأم التي فقدت نصف أبنائها، والأب الذي فجع بأسرته كلها، و.. وعد ماشئت من المكلومين..في أحبابهم، وأجسادهم، وديارهم وأموالهم..
وكلهم يجمع يبهم كلمة واحدة.. تصدر عن قلوبهم بينة فصيحة رغم البلاء.. والعناء، وشلالات الدماء..

تلك الكلمة هي:
الحمد لله..

لذا تعلمت من غزة.. أن أقول دائما: الحمد لله..

تعلمت من غزة.. أن أقول: الحمد لله.. لكن من قلبي.. لا من طرف لساني..

تعلمت أن أقولها حية مشتعلة، متوثبة متلألئة، لا ميتة جافة هزيلة خابية..

تعلمت أن أقولها، فيمتلأ بها ميزاني، وتملأ ما بين السماء والأرض..

الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله..

قولوها بالله ليكم.. قولوا: الحمد لله…

***

تعلمت من غزة.. إحسان الظن بالله، وهجران التسخط على قضاء الله، وتعلمت من غزة.. التوكل على الله، والاعتماد عليه، والاضطلاع بحوله وطوله وقوته..

تعلمت من غزة معنى “حسبي الله ونعم الوكيل”

تعلمت من غزة، الاستعانة بالصبر، والقبض على الجمر..

تعلمت من غزة.. أن النفوس لا تصهر وتطيب إلا حين تصقل باللهب.. لهب البلاء، ولهب المعاناة، ولهب الجهاد..
وإلا ..
فلهب جهنم كفيل بتليين القلوب القاسية..

تعلمت من غزة.. أن الضربة التي لا تقتلك.. تقويك!!

وأن لسعة العثرب مؤلمة، نعم، وسامة، نعم..
لكنها مصل واق من عض الأصلات والحيات..

تعلمت من غزة.. أن الضربات القوية.. تحطم الزجاج.. لكنها تصقل الحديد..

تعلمت من غزة أن الخبيث لا يصدر عنه غير الخبث، وأن تعليق الآمال بالخونة باب من أبواب الغباء..
تعلمت من غزة أنك لا تجني من الشوك العنب، وأن من يرقب تساقط الدر والياقوت من مخرج الروث والبعر سيطول به الانتظار.

تعلمت أن من الكذب الصراح قولهم: لكل امرئ من اسمه نصيب، فكم كشفت لنا مختبرات جامعة غزة عن قبيح يدعى حسنا، ومذموم يسمى محمودا، وكتلة من الشؤم يدعي أنه مبارك!

تعلمت أن الكذب كان حبله فيما مضى قصيرا، لكنه اليوم يطول حتى يخنق أعناق الملايين!
وعرفت أن الأزمات تولد الإبداع، فقد ولدت من رحم الحصار صواريخ القسام، وعبوات “زلزال” و”شواظ”، وفي أزقة غزة وأغوار جباليا، تفتقت عقول المبدعين عن أفكار الكمائن والمصائد، وطرق التصدي لأرتال الغزاة الجائرين.

وتعلمت من غزة.. كيف تكون الحياة ممكنة حتى بدون ماء، ولا كهرباء، ولا وقود!!

ورأيت في غزة سيارات تسير بلا بنزين، وأطباق طعام تطبخ على عين الشمس، وقنابل حارقة تصنع من مخلفات المجاري!!

وتعلمت أن الحروب تنبغ فيها عقول فذة، فيتحول الروائي التافه بغتة إلى محلل سياسي، يربط بذكاء ميت وبصيرة خابية بين حماس وإيران، ويبرهن بدماغ مهروس على أن الذين يطلبون الشهادة طلاب سلطة، وعشاق حكم!

تعلمت في جامعة غزة أن العبرة بالكم لا بالكيف، وأن عشرين ألفا من شباب القسام والسرايا والألوية اسطاعوا أن يفعلوا مالم يفعله 350000من الجيوش العربية ذات يوم..

تعلمت أن النصر يمكن أن يأتي بلا طائرات، ولا دبابات، ولا قنابل نووية..

لأن النصر حق حصري ..لله!!

(وما النصر إلا من عند الله)

…تعلمت وتعلمت.. الكثير والكثير من غزة…

وحسبي..

فقد تذكرت كلمات كتبتها…

“تلتقي الدموع الحارة “دموع الحزن”،بالدموع الباردة “دموع الفرح” وتصطرع مشاعر البسمة
الخضراء مع مشاعر الشجى الحمراء، وتختصم سرادقات العزاء مع سرادقات الأفراح، وتمتزج
طبول العرس بنفير الحرب، في مشهد لا يتكرر في غير غزة، المدرسة العليا للعزة والكرامة،
التي يزف منها إلى جنات عدن كل يوم أ،اس اتخذم الله شهداء.
إنني اليوم طالب في مدرسة غزة، التي يبلغ عدد أعضاء هيئة التدريس بها مليونا ونصف
مليون، وعلى الطالب أن يصغي جيدا، وينتبه للشرح، ولا يكثر من الكلام!!.”

الطالب الكسول..
عبدالله بن عمر
جامعة غزة المفتوحة -السنة التحضيرية

Posted by: benumar | 28 يونيو 2009

المرور السري في المسجد

دخلنا المسجد والإمام في الركعة الثانية، وحين أتم الإمام صلاته نهضنا أنا وهو لنقضي الركعة التي فاتتنا، وكان الأخ الذي إلى جواري يصلي بسرعة مذهلة، حتى إنه خرج من المسجد وأنا لم أكمل قراءة الفاتحة.

عجبت لهذه السرعة، وتمنيت أن يكون في المسجد “مخبر سري” يأخذه إلى “غرفة التوقيف”، عقاباً له على تجاوزه السرعة المسموح بها في الصلاة!

لم أفهم إلى الآن، كيف استطاع هذا الرجل أن يقرأ الفاتحة ويركع ويرفع ويسجد ويتشهد ويسلم في ظرف ثوان معدودة!

ولو كنت أمتلك جناحين لطرت وراء هذا الرجل حتى أدركه وأقول له ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: ارجع فصَلّ فإنك لم تصَلّ”

أحبتي الشباب.. أي شيء يعز علينا في ديننا إذا هانت علينا الصلاة؟ فصرنا نؤديها كيفما اتفق، ونمارسها على الماشي، على أنها مجرد حمل ثقيل نلقيه عن ظهورنا على أي وجه كان..

هل فكرنا يوما من الأيام ونحن نؤدي الصلاة، فيما إذا كانت هذه الصلاة طيبة.. مستحقة لأن يقبلها الله سبحانه؟

إن العبد حين ينتهي من أداء الصلاة يواجه أحد موقفين:

–        أن ترفع صلاته وتقبل، وتقول له الصلاة: حفظك الله كما حفظتني..

–        وأن تلفّ صلاته كما تلف الخرقة، ثم ترمى في وجهه.. وهي تقول له: ضيعك الله كما ضيعتني!!

ترى.. كم مرة ترمى صلاتنا في وجوهنا؟؟ وهل ترانا نخرج من المسجد غانمين أم غارمين؟؟

خاصة وأننا كثيرا ما نهمل أداء السنن الرواتب التي ترقع ما خرقناه في صلاتنا.. بقلة الخشوع، وكثرة السرحان، وندرة الطمأنينة..

هي دعوة من القلب.. أوجهها إلى نفسي أولا، وإلى أحبابي ثانيا.. بأن نولي صلاتنا مزيدا من الاهتمام والعناية.. حتى لا تخيب آمالنا في أنفسنا، إذ أول ما يحاسب العبد يوم القيامة على الصلاة، فإن صلحت صلح سائر العمل وإن فسدت فسد سائر العمل..

Posted by: benumar | 28 يونيو 2009

ولو باللعن

أراد أبو زعبل أن يصبح نجما من نجوم القرية، وأن يدخل التاريخ، ويذكر على مر الأيام، وتعاقب الأجيال، فخرج إلى الشارع عاريا كيوم ولدته أمه!! ونجح مسعاه، فصار مشهورا في العالمين، مذكورا على كل لسان.

وذات يوم..فكر زعطان بن علان في طريقة تجعله نجما شهيرا، وتدرجه في قائمة الخالدين، المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، وكان ذلك في موسم الحج، فما وجد مكانا (يفك فيه زنقته)، ويقضي فيه حاجته إلا بئر زمزم!! فذهب إلى هناك، و…وبال في زمزم..

فصار بقدرة الله علما شهيرا..

وأراد فلتان بن حسنان ذات يوم.. أن يسير ذكره في الآفاق، ويشرق ويغرب بين الخلق، فقال: إن من حق القرآن الكريم أن يحدثنا عن قصص الأنبياء، ولكن ليس علينا أن نصدقه في هذه الحكايات الفنية الخيالية! فكسب شهرة واسعة، حين انبرى الناس يردون عليه!!

وأخذت القائمة تطول، وصار ينضم إليها كل يوم المزيد من الأعضاء، من طلاب الشهرة، ولو اقترنت باللعن من الله وخلقه!!

والعجب أنهم ينهجون النهج ذاته في كل مرة، وإذا كان النجاح لعبة فهذه قوانينها..

فكرة مجنونة أنجس من المرحاض، وقلم وورقة، وسكين، يذبح بها حياءه، وعمود كأعمدة الحمامات، في إحدى الصحف، وينشر المقال.. وهنا ينتهي دور الرجل.

ويبدأ دور المشايخ!!

فتنهال الردود، ويكثر الاستنكار لما يكتبه هذا الضال المضل، و…والرجل لا يهمه ما يقال.. لأنه قد نال ما هو أكبر..ولو من وجهة نظره هو..

الشهرة.

لقد صار الرويبضة التافه أشهر من نار على علم، مع أنه “لا يساوي قلامة ظفر.. وقطرة حبر تراق على هجوه في القصيد!!”

وأما أولئك الذين ردوا عليه فقد خدموه من حيث لم يشعروا.. و”ضاع الليل في لضم الهيل”

وتستنسخ الحكاية في كل مكان!!

ففي كل بيئة.. هناك شخص شاذ، يستمتع بشذوذه، ويبتهج حين يعاب، ويفرح حين يوجه إليه الملام، والضرب في الميت حرام!!

ولا بد أنك رأيت هذا الشخص ذات يوم..

ربما كان ذلك الشخص طفلا عنيدا لا يهمه إلا أن يؤمر فلا يطيع، ويزجر فلا ينزجر، وربما كان كاتبا في جريدة، أو مجلة…

وليس ثمة من قدوة لأولئك كإسرائيل التي تدافع عن نفسها بقتل الرضع، وذبح المرضى لئلا يطلقوا صواريخ القسام على مستوطناتها..

أرى أن إشكالية التعامل مع طلاب الشهرة بمهاجمة الثوابت إشكالية تحتاج إلى دراسة، لتحديد خير الشرين، وأقل الضررين، من منح الشهرة بالمجان لفلان أو علان!! أو السكوت عن كلامه المنكر، أو إنكاره بطريقة لا تحقق له مراده من نيل الذكر..

ورحمة الله على القائل:

لو كل كلب عوى ألقمته حجرا     لأصبح الصخر مثقالا بدولار!

Posted by: benumar | 28 يونيو 2009

لكي تستمر.. لا بد أن تبتكر

لنبدأ بذكر الحكاية التي أنجبت هذا القانون: “لكي تستمر لا بد أن تبتكر باستمرار” كما يرويها الدكتور كفاح فياض في “حكايات كفاح”، باختصار: حيث يحكي عن بداية مشروع شركة فريدال اكسبرس قائلا:
من المفارقات أن سميث لم يبدأ المشروع بتقديم خدمة البريد السريع لعامة الناس والشركات، لكن المشروع بدأ عندما فكر بإنشاء شركة لنقل النقد الاحتياطي الفيدرالي من منطقة إلى أخرى، مما يوفر على الحكومة 3 ملايين دولار، العقد الذي ناقشه سميث مع السلطات الفيدرالية لم يتحقق لأن المفاوضات فشلت.

لكن سميث كان قد اشترى طائرتين من قروض بنكية كبيرة، ودفع كل ما ورثه من والده،
ما اعتبره الكثيرون جنونا بلا غموض! خاصة أن الحكومة لم توافق على المشروع بعد.
تم الإعلان عن المشروع في 28/ 6 /1971 . وكان لدى سميث البالغ من العمر 26 عاما، شركة وطائرات، ولكن من دون عقود مع الحكومة.

وعن ذلك يقول: “لو أنني نجحت في توقيع عقد نقل النقد الاحتياطي مع الحكومة، أعتقد بأن شركة فيديرال اكسبرس لن تكون على ما هي عليه الآن من حيث النشاط، لأن فكرة تقديم خدمة النقل السريع للعامة لم تراودني إلا عندما فشلت في توقيع العقد مع الحكومة، كان علي أن أبتكر لكي أستمر”

لقد كان سميث يقول لنفسه:

ها قد اشتريت هاتين الطائرتين، ووضعت فيهما ما أملك وما لا أملك من أموال استدنتها من أجل مشروع حكومي، لكن ما دامت الحكومة قد رفضت المشروع، فلا بد لي من التفكير في شيء جديد أشغل به هاتين الطائرتين.

وكانت النتيجة هذه الشركة العملاقة التي تمتلك الآن 396 طائرة، وما يقارب ثلاثين ألف شاحنة…

إذا أردت أن تستمر لا بد أن تبتكر!

كلمة رائعة، توافقها الفطرة، وعبارة إسلامية وإن قالها الأمريكي فريدريك سميث، مؤسس ومالك شركة فريدال اكسبرس أول شركة بريد سريع في العالم.

وهذه الكلمة يجب أن تكون مادة مهمة من مواد الدستور الشخصي لكل واحد منا..

ذلك لأن هذه الجملة الصغيرة ليست اختراعا اخترعه سميث..

بل هي اكتشاف لسنة كونية من سنن الله في الناس، ولن تجد لسنة الله تبديلا..

وحين نتكلم عن سنة كونية من سنن الله؛ فإننا نتكلم عن قاعدة من قواعد الحياة التي لا تتبدل أبدا..

ولا تجامل أحدا من الناس، مهما يكن هذا الأحد، ولو كان نبيا!!

فما كان لنبي أن ينجح إلا وهو يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة..

وهذه تعني أن يبذل النبي جهدا كبيرا في تقريب دعوة الله ومبادئ الدين إلى قومه، ويبتكر المزيد من الطرق التي يصل بها إلى مغاليق القلوب، ونظرة واحدة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، تثبت لنا هذا.

فإبداع النبي صلى الله عليه وسلم ومبتكراته في حياته الدعوية والمنزلية والعسكرية والاجتماعية والأدبية وغيرها من جوانب حياته…أمر نحتاج لاستيفائه إلى دراسة في مكان آخر..

ولعل قارئا صاحب همة يتبنى هذا المشروع!

ولا يفوتنكم قول نوح عليه السلام :

(إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا)

بينما يبدو الأمر مختلفا حين نطالع قصة يونس بن متى عليه السلام، الذي لم يطل –بعد ما كذبه قومه- المقام بينهم، وغادر قريتهم، وانسحب من الميدان..فهيأ الله له الحوت فالتقمه..

وكأن الله سبحانه حين ذكر لنا هذه القصة ينبهنا على أن الإنسان الذي يتوقف عن الابتكار حين يتعذر عليه الاستمرار بالطريقة القديمة، يعتبر منسحبا من الميدان، وسيعاقب على انسحابه من ميدان الحياة وعراكه، وسيكون العقاب عاجلا غير آجل..

ولكلّ منسحب من الميدان “حوته” الذي يلتقمه ويبتلعه..

وقد يكون هذا الحوت هو الهامشية والخمول، وقد يكون الكسل، وقد يكون التحلل الذاتي، وقد يكون الرسوب… وقد يكون غير ذلك، وما يعلم جنود ربك إلا هو..

إذا أردت أن تستمر لا بد أن تبتكر!!

لأن اليأس جزء من الكفر، ولأن الخمول جزء من ثلاثة أجزاء من الموت..

إذا واجهتك مشاكل من أي نوع، فأمامك خياران اثنان: أن تنسحب.. أو أن تبتكر حلا..

ولنطبق على هذه النظرية بعض الأمثلة من حياتنا..

إذا كنت طالبا..فلا بد لك من حفظ هذه العبارة كاسمك لأنك ستحتاجها كثيرا… إذا أردت أن تستمر.. لا بد أن تبتكر!!

أما إذا انسحبت من الدراسة، فلا بد لك من أن تأبق إلى فلك البطالة والجهل المشحون، وتكون في القمار من المدحضين، فيلتقمك حوت الفشل والإحباط والفراغ..أو ينجيك الله بأن تبتكر حلا آخر..

وهكذا يكون الحل دائما في الابتكار حتى تخرج من المشاكل التي تضع نفسك فيها..

مادة بغيضة؟؟

ابتكر حلا..أحب هذه المادة

أستاذ شرحه ممل؟

استغل وقتك أثناء المادة في شيء آخر..اكتب، اسرح ببالك بعيدا..

أحد أحبتي قرأ ربع “سير أعلام النبلاء في المحاضرات التي لا يروق له فيها شرح المدرس

مادة صعبة؟

ابتكر طريقة جديدة للمذاكرة.. حول المادة العسرة إلى ممتعة..

أستاذ سخيف؟ زملاء مزعجون؟ …. ابتكر

لا يوجد شيء عصي على أن تلتف حوله..

فصلت من المدرسة أو تركت الدراسة؟

ابتكر لنفسك مجالا جديدا تبدع فيه..

وهكذا الحال إذا كنت أستاذا.. أو فنانا.. أو داعية.. أو عالما..  أو قائدا عسكريا.. أو قاضيا..أو مربيا..أو حتى لصا..أو مهرب مخدرات..أو رجل مخابرات..

لا بد أن تواجهك مشاكل..ولا بد أن يأتيك يوم ترى أن ما أزمعت أن تفعله لن يجديك ولن يفيدك.. وعندها:

لا بد أن تنسحب أو تبتكر حلا..

إذا أردت أن تستمر.. لا بد أن تبتكر..

والتاريخ مليء بهذه النماذج..

ذو القرنين..كيف استطاع أن يصد زحف يأجوج ومأجوج عن القوم الذين بين السدين؟؟
بابتكار جديد..

هو السد المشيد من الحديد والقطر المصهور..

سور أملس لا يحفر ولا يمكن تسلقه..

في معركة القادسية..التي وقعت بين المسلمين والفرس..استعمل المجوس سلاحا جديدا.. هو سلاح الفيلة..

وحين رأت خيول المسلمين تلك الحيوانات الضخمة الغريبة عليها اضطربت وأصابها الرعب، فهربت..

وهنا كانت تلك القاعدة السحرية موجودة في ذهن القعقاع بن عمرو رضي الله عنه..

إذا أردت أن تستمر.. لا بد أن تبتكر!!

وابتكر القعقاع وسيلة جديدة وعجيبة!! فقد أحضر بعض الجمال، وركّب على ظهورها أعمدة مثبتة بطريقة ما..وغطاها بأقمشة مزركشة، وصنع لها وجوها مرعبة مرسومة على القماش، فأصبح لديه مخلوقات عجيبة..

وفي اليوم التالي.. أطلقت الكائنات الصناعية، ورأتها خيول الفرس..فاضطربت وهربت بفرسانها..

وفي فتح القسطنطينية أدرك البيزنطيون أنهم إذا أرادوا أن تعيش مدينتهم بعيدا عن الحصار البحري، فلا بد أن يبتكروا وسيلة تمنع السفن الإسلامية من عبور المضيق والاقتراب من المدينة.

وكانت فكرة عبقرية فعلا، فكرة السلسلة التي وضعوها حاجزا على المضيق..يرخون السلسلة فتتمكن السفن من عبور المضيق، ويشدنها إلى مستوى سطح البحر فيستحيل على السفن أن تدخل المضيق..

ولكن السلطان الفاتح لم يكن غرا.. لقد كان يدرك أنه لكي ينجح في الصول بالسفن إلى المضيق لا بد أن يبتكر شيئا ما!! فابتكر حركة جعلت من السلسلة لعبة أطفال!! ونقل السفن إلى المضيق عبر البر..

وهكذا هي القذائف المضادة للدبابات، والصواريخ المضادة للطائرات.. كلها ابتكارات.. من أجل العيش بعيدا عن السيطرة المطلقة للطائرات والدبابات..

نفس حكاية الفيلة.. لكن بأسلوب عصري..

والمدهش أن هذه القاعدة تسري لدى الجميع..حتى الأشرار..

اللصوص يبتكرون الجديد من الحيل حتى يستمروا وتعيش صنعتهم.. وخبراء السلامة يبتكرون المزيد من الوسائل الكاشفة عن محاولات السرقة..

الفئران..تبذل المزيد من الابتكارات المثيرة للغيظ حتى تصل إلى قطعة الجبن..

المزورون..لكي تعيش مهنتهم..يبتكرون المزيد من الوسائل التمويهية..

وفي الجانب الآخر..هناك رجال يبتكرون المزيد لكشف كل تزوير..وبين الحين والحين يطرحون إلى التداول ورقات نقدية جديدة يتوهمونها عصية على التزوير..

لكن المزورين يبذلون المزيد لابتكار وسيلة ما تساعدهم على التزوير..

الهاكرز.. يبتكرون المزيد من الطرق لاختراق المواقع، والقفز على جدران النار..وفي الجانب الآخر..هناك خبراء يبتكرون المزيد من نظم الحماية..

كما أنه لا يحق للمرء أن يزعم أنه يستطيع أن يعيش دون أن يتنفس، لا يحق له أن يروم أنه سيعيش دون أن يبتكر ويجدد!!

يذكر كفاح فياض في كتابه “حكايات كفاح” نماذج مختلفة، منها: دومينيك ماكفي، الشاب البريطاني الثري، الذي سوق في لندن لعجلات السكوتر الأمريكية، وباع منها 11 مليون دراجة! كان مفتتنا بهذه اللعبة! ثم ملها وسئم! ولكن على الرغم من هذا السأم، ابتكر رؤية تجعل من هذه الدراجة وسيلة رائعة للتنقل في زحام لندن! وقام بتسويق دراجته على هذا الأساس، فأفلح!!

وفي النهاية.. وعلى الهامش أقول..

لقد لفتتني وأنا أطالع كتاب.. حكايات كفاح.. حقيقة مذهلة..

هي أن كثيرا من المبتكرين والمبدعين..لم يكملوا الدراسة، وبعضهم لم يدخلوا المدارس.. التي يعد كثير من الناس تركها نهاية العالم!!.. وعندما استعملوا هذه العبارة السحرية.. إذا أردت أن تعيش لا بد أن تبتكر!! نجحوا (دنيويا على الأقل) هل تريدون أمثلة؟؟

حسنا..
هل تعرفون شبكة سي إن إن الإخبارية؟؟

إن صاحبها ومالكها “تيد تيرنر” الذي بناها وبدأها من الصفر، غادر المدرسة وعمره 6 سنوات فقط!!

ولست أدري متى دخلها؟

والكولونيل ساندرز.. صاحب مطاعم كنتاكي الأول.. ترك المدرسة في سن السادسة أيضا!!

ادوين لاند، مخترع التصوير الفوري، والمبتكر الذي حول التصوير الفوتوغرافي من مهمة عسيرة إلى هواية سهلة..

هذا الرحل ترك الدراسة، وغادر الجامعة قبل أشهر بسيطة من تخرجه..

بيل جيتس، عميد الأثرياء العالميين، لم يعجبه تخصصه في جامعة هارفارد، فترك الدراسة وانصرف إلى شركته الوليدة “مايكروسوفت”

كاليب برادهام، مخترع “البيبسي!” كان ولدا مترفا وابنا لرجل أعمال ثري..

كان الولد طالبا بجامعة ميريلاند، وكان تخصصه الطب، وقبيل أن يتخرج أصابت والده نكبة رمته بالإفلاس، ونكبت تجارته؛ فاضطر الولد إلى ترك كلية الطب..

لكن ما هي إلا سنوات..ويصبح مشروبه “البيبسي” مثل المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس!!

آرثر جونز، صاحب شركة نوتيلوس الرياضية العملاقة، كان مهملا في الدراسة، ولم يشم رائحة المرحلة الثانوية..

سيكيرو هوندا..الذي ترك المدرسة منذ الصف الثامن “ثاني متوسط” كان فيما بعد هو المخترع والمبتكر والذي تحمل سيارات “هوندا” اسمه وبصمته!

كل هؤلاء، وغيرهم كثيرون جدا، كنيوتن مكتشف قانون الجاذبية، وأديسون مخترع المصباح، وأينشتاين صاحب نظريتي النسبية العامة والخاصة… إلى آخر ما قال الشاعر…!!لم ينجحوا في الدراسة.. لكنهم حققوا ما لم يحققه الكثير من الدارسين..

فهل هذا يعود إلى أنهم ابتكروا؟ أم يعود إلى أن المدارس بيئة تقتل الإبداع؟ أم إلى كلا السببين؟؟

الله أعلم..

وللصديق عبدالله الجمعة، كتاب رائع عنوانه: عظماء بلا مدارس، فارجع إليه.
لكن تظل الحقيقة الساطعة.. لكي تستمر.. لا بد أن تبتكر..

Posted by: benumar | 28 يونيو 2009

إلى أستاذي في غرفة الإنعاش

كثيرون هم الذين تعرفت عليهم, وأحببتهم, وصاحبتهم, وكثيرون هم الذين تركوا في أعماقي أثرا طيبا, وأبقوا ذكرى جميلة, ولكنك يا أستاذي حالة خاصة.

في الناس من تتفق طباعه مع طباعي فتكون ثمة ألفة, وفيهم من يفيدني أو أفيده فيثمر ذلك مودة, وفيهم من يأسرني بخلق كريم وطبع نبيل فيكون معبرا له إلى قلبي, وفيهم –وهو أعظمهم- من يدل على الله بحاله ومقاله فأحبه في الذي يدل عليه ويدعو إليه.

إلى غير ذلك من الطرائق التي تسلك بي إلى الحب.

وأنت يا أستاذي كل أولئك… وأكثر

والمرء ينتزع الإعجاب حين يجتمع فيه ما تفرق في غيره.

عرفتك إعلاميا متميزا, ومريبا محببا إلى تلامذته, فأحببتك قبل أن ألقاك.

وما كنت أعلم –وأنا أحمل ذلك الحب- أن الله –سبحانه وتقدس- قد قدر لي في سالف علمه أن يتطور هذا الحب البسيط الذي أجود به تعبدا لكل مؤمن صالح, فيصبح علاقة خاصة, متميزة, متألقة..

أذكر جيدا المرة الأولى التي رأيتك فيها وأنت في مهمة إعلامية, تغطي فيها المسابقة الدولية في القرآن الكريم بفندق مكة انتركونتننتال, قصصت على أخي ثامر ما رأيت, فقال لي : إن هذا الرجل هو أستاذنا..

وأذكر جيدا اللقاء الأول الذي كان بوابة هذه العلاقة, رأيتك واقفا وقفتك المتميزة التي تعرف بها من بعيد, وأنت تشير إلى هذا, وتوجه ذاك, وتكلف آخر بعمل ما, ثم تلتفت تجاهي, فتقبل باسم الوجه, مضيء الطلعة, و…

هنالك التقطت مصورة عقلي فيك خصالا رائعة, وصدقت الأيام انطباعي.

كان انطباعي عنك أنك رجل حلو المعشر, بسام الثغر, موطأ الأكناف, هين لين, سريع النكتة…

كان انطباعا رائعا, وبداية موفقة…وهل أطيق أن أحمل البحر في كفي إن رمت أن أذكر مواقفك معي, وكيف كنت أكتشف فيك كل يوم جديدا, إنك رجل موسوعة, ومنحة من المنح التي أنعم الله بها علي في فترة من حياتي هي الأصعب والأقسى..

وتالله لن أوفيك حقك مهما كتبت, أستاذي الغالي, وأخي الحبيب…

ليس على الله بمستنكر         أن يجمع العالم في واحد!

كثيرة جدا هي المواقف التي لا أنساها معك, وكثيرة هي القيم التربوية التي استفدتها منك, كنت مدرسة في مسلاخ آدمي, ولم تكن كأولئك الذين يقولون ما لا يفعلون، و يتكلمون ولا يعملون، بل أنت تعمل بصمت, وتبذل برضى, وأنت موقن أن شغلك لن ينتهي, وأن لا راحة للمؤمن دون الجنة.

كم من مواقف ارتسمت في ذاكرتي, لا لشيء إلا لأنك كنت توصلها بفعالك, لا بمقالك, وبواقعك العملي, لا بكلامك النظري…

سأصارحك بمشاعري حين سمعت بنبأ الحادث الذي أصابك:

إنني لم أتفاجأ مثقال ذرة, ولم يكن ذلك عن قلى أو نقص في الحب, كلا والله, ولكن قبل شهور كنت قد غمرت بتلك الموجة من البلاء التي دهتني بمرض الوالد, وغير ذلك من الأشواك التي نبتت في حياتي فجأة في تلك الأيام القاسية, منها ما فاتحتك في شأنه ومنها ما لم أبح به لأحد, أقول إنني منذ تلك الأيام أخذت أعد نفسي لأن تستقبل من أقدار الله ما لا تحب, وأن تتجرع من غصص الحياة وآلامها ما لا تتوقعه, ولأنك من خلص الأحباب , ومن أقرب الناس إلى قلبي, كان يراودني كثيرا حين ألقاك هذا الاحتمال المزعج, الذي لم أجد غضاضة وأنا أعترف بأنه واقع ذات يوم لا محالة : “كيف بي إن غاب عني أستاذي لظرف ما ؟؟

أو ما مرت بك أيام كنت تعجب فيها من وجومي وصمتي ؟؟

لقد كنت أفكر في مرارة الفراق بعد حلاوة اللقاء…

كان هذا الخاطر يدور ببالي كثيرا, لأني لم أعد أتوقع من الحياة أن تقدم لي عسلا إلا وفيه شيء من السم, ولا تسقيني إلا على القذى, سنة الله في عباده (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون) (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله:

أولئك العظماء !! الذين يشقون ليسعد غيرهم, ويسهرون ليهنأ غيرهم, ويتعبون ليرتاح غيرهم, ويتحملون الأمانة, فيجتهدون ألا يفرطوا فيها, ويتذكرون أنهم قد وقعوا عقدا مع الله, فتهون عليهم المتاعب, ويعذب العذاب, تجد الواحد منهم قد تشعبت به الهموم في مسارب الخير, بين دعوة يحمل همها, وأهل وأولاد لهم عليه حقوق, وقرابات لهم في الذمة نصيب, ووظيفة لها عليه واجب الإتقان, وصدقة ومعروف وإصلاح بين الناس, أولئك هم الذين يطرح الله لهم القبول بين عباده, وتلك عاجل بشرى المؤمن.. فأبشر أستاذي : لقد ظهر من حب الناس لك ما كان بشرى خير…

هنيئا لك أخي الحبيب, وأستاذي الفضيل, ومعلمي العزيز, بشرى الحبيب المصطفى “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء, وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم..”

أنت علمتنا الرضى, وحثثتنا على تهيئة النفس لتقبل الأزمات, والهدوء ورباطة الجأش عند الشدائد, والاستكبار على المتاعب مهما أثقلت, وشاء المولى أن تكون أنت العبرة, فما أزكاك من مرب صحيحا وسقيما, وما أنبلك من موجه بحالك ومقالك, ولئن قيل : الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى, فقد كان مصابك هذا مدرسة لي, هيأتني لخوض الحياة ببصيرة, وقربتني من الله أكثر وأكثر, ولقيت فيها من البشرى فيك وفي نفسي ما تقر به العين, وينشرح الصدر….

أستاذي

أرأيت كيف يكون حال الركب بينا هم سائرون في طريق مظلم, إذ سقط قائد الركب و غاب حادي القافلة, فعرتهم الدهشة, وغمرتهم الروعة..

وطفقوا يتساءلون كأصحاب الجنة إذ مضوا إليها وقد طاف عليها طائف من ربك, وإذا في رأس كل واحد منهم موقف, وفي قلب كل واحد منهم ذكرى عاطرة, وفي وجدان كل واحد منهم حب عميق…

لو رأيت دموعهم النافرة من المحاجر, وعاينت رؤوسهم المطرقة, ولمحت ملامحهم البائسة, لعرفت ماذا كنت تعني لهم, أأقول: الشمس التي لا يقوم عنها في مقامها فانوس ولا عمد إنارة ولا بدر منير؟ أم الأب الذي لا يعوض عن فقدانه؟ أم الأخ الوفي الذي عده من لم يرك من المستحيلات؟ ماذا أقول يا أستاذي ؟؟؟

بيد أن الأمل في الله, والرؤى الصادقة فيك, وتحسن حالتك يوما إثر يوم, يجعل القلب في راحة , لا تتم إلا أن أراك تخطر بيننا في أتم صحة وأوفى عافية ,,,,

أخي وأستاذي:

كم في طيات المحن من منح؟ وكم للرزايا من مزايا؟ وكم في البلايا من عطايا؟

إنها دوما تحدث بقدر من الله, وهي متبوعة بلطف الله ورحمته, والبلايا تنقي الإنسان وتطيبه, كما ينق اللهب الأشياء من خبثها, وينفي زبد ما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع…

والضربات القوية تكسر الزجاج, بيد أنها تصقل الحديد…

ولعلك تذكر أن الشيخ العلم الإمام : يوسف القرضاوي, لما ابتلاه الله بالمرض؛ عاهد الله على أن يهب وقته لله, ويسخره في خدمة الدين ومقارعة أعدائه, ومنذ شفاه الله، وهو طاقة شعيلة, وجهود تترى في خدمة الدعوة..

وذاك العهد, وهذه المسيرة: هما ما آمله فيك, وأرجو الله أن يحققه بك, فيجعل أيامك هذه أيام تأمل في الماضي, وتهيئة للمستقبل, فيكون ما بقي من أيامك خيرا مما مضى, وتضيف إلى الماضي المشرق مستقبلا مشعّا….

وخير الناس ذو حسب قديم                    أقام لنفسه حسبا جديدا

هذا سطر من كتاب, وموجة من عباب, وغيض من فيض, وجزء من كل, وقليل من كثير, مما يجول بخاطري من الكلم….

أخي و أستاذي :

أعلاك الله إلى العافية, ومسح عنك بيمينه الشافية, وأعادك سليما معافى, وجعل الله ما أصابك كفارة للزلات, وممحاة للسيئات, ورفعة في الدرجات, وفرصة للمراجعة والتأمل في المسار, واستراحة محارب, وبشرى خير, ومصرفة سوء, ومنجاة عند الله….

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته

Older Posts »

التصنيفات